ابن الحسن النباهي الأندلسي
183
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ومن نصائحه لطلبته : « أوصيكم ، بعد تقوى اللّه العظيم ، بثلاث خصال ؛ ألّا تكتبوا خطّا دقيقا ؛ فإنه يضرّ بأبصاركم ، ويقلّ انتفاع الغير به بعدكم ؛ وإذا خطّطتم أحدا ، فلاحظوا تخطيطه أن يكون الشخص المخطّط غير خلي من المعنى الواقع في اسمه ، توخّيا منكم للصدق ، وتحرّيا عن التجاوز المحض ؛ ولا يكن همّكم بكتب الشيوخ لكم على ما قرأتم . وليكن همّكم أن تكونوا من الديانة والدراية بمثابة من يقبل قوله فيما يدّعيه ولا يكذب فيه » إلى غير ذلك من خطبه ومواعظه وأدبه . وكان في أقضيته لا يرى الحكم بمجرّد التدمية ، إذا لم يقترن بها لشيء من اللوث ، ويرخص للرجل في متابعته لزوجته بالأدب ، ويوجبه على الصلاة ، بخلاف ما ذهب إليه ابن أبي زيد في نوادره ، ويردّد ما ورد في الصحيح ؛ ألا كلّكم راع ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته ! وكان لا يوسع للناشر عن رأي الفرار بعد الدخول ويجبرها على الرجوع ، إلى أن أحدثت له بمالقة ، أيّام قضائه بها ، مع رجل من أهلها يعرف بعبد اللّه الورديّ ؛ فأمسك عن ذلك . وكان يأخذ بمذهب اللّيث بن سعد في كراء الأرض بالجزء ممّا تنبت ، ويحذر من الركون إلى مقالات محمد بن عمر الرازيّ المعروف بابن خطيب الرأي في المباحث ، وينكر عليه ما قرّره آخر محمله من الآراء وقوله في الأربعين : أمّا الكافر ، فهو على قول الأكثر من الأمّة يبقي مخلدا في النار ؛ وهذا القول من ابن الخطيب فيه ما فيه ؛ فإنّ المخالف في تخليد الكافر في النار هو من القلّة والشذوذ ، بحيث لا يلتفت إليه ، ولا يعد كلامه قولا في المسألة . وكان يقول : « من لم يتمرّن في عقود الشروط ، ولا أخذ نفسه بالتفقّد في كتب التوثيق ، لا ينبغي له أن يكون قاضيا ، وإن كان قويا فائقا في سائر العلوم ! » . وإن ذهبنا إلى تقدير ما تلقيناه من شيخنا القاضي أبي عبد اللّه في مجالسه العلميّة من نكت النوازل وطرف المسائل ، طال بنا القول ، وأدرك فريضتنا العول ! وفيما ذكرناه العناية الكافية . وبالجملة ، فما كان إلّا كما ذكر بقي بن مخلد عن محمد بن بشير حيث قال : ما كان يقاس إلّا بمن تقدّم من صدور هذه الأمّة . ومن تلك الطبقة كان محمد بن بكر عند من عرفه واستمرّ على عمله من الاجتهاد ، والرغبة في الجهاد ، إلى أن فقد - رحمه اللّه ! - في مصافّ المسلمين ، يوم المناجزة الكبرى